ابن أبي شريف المقدسي

136

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

« وتقتضي الوجود » ( كذلك ، ) أي : كما أن في مفهوم الإرادة طلبا ؛ لأن الاقتضاء الطلب ، وأصله : طلب قضاء الدين ، ثم استعمل لمطلق الطلب ، فيلزم كون صفة الإرادة هي صفة الكلام ( وليس كذلك ) أي : ليس كما يتوهم ، ( فإن الاقتضاء في تعريفه ) أي : تعريف من عرف الإرادة بأنها صفة تنافي العجز . . . الخ ( منسوب إلى الصفة ، وليس ذلك ) الاقتضاء المنسوب إلى الصفة ( كلاما ) إنما هو بمعنى الاستلزام ( يقال : اقتضى هذا المعنى كذا ، أي : استلزم لعلّية ) أي : لكون ذلك المعنى علة واللازم معلولا ( أو لا ) لعلية ، كالتلازم بين الشرط والمشروط في جانب العدم ، بحيث يلزم من عدم الشرط عدم المشروط ، حيث يقال : عدم الشرط يقتضي عدم المشروط ، ( بخلاف ما إذا نسب ) الاقتضاء ( إليه تعالى ) فإنه بمعنى طلبه تعالى الفعل أو الكف فيكون كلاما ، ( وإذا جعل ) الاقتضاء ( جزء مفهوم ) صفة ( الإرادة كان منسوبا إليه تعالى ، فتكون ) إرادته هي ( كلامه ) تعالى ، وقد علمت أن الإرادة صفة مغايرة للكلام كما مر آنفا ، ( بخلاف ما إذا جعل ) الوجود ( مقتضاها ) أي : مقتضى الإرادة ، بمعنى أنها تستلزمه ، فإذا تعلقت الإرادة بوجود شيء لزم أن يوجد ، بأن تتعلق القدرة بوجوده وفق تعلق الإرادة ، ( ثم المراد من هذا الاقتضاء ما بينّاه ) فيما مر ( في كلمة : « ما شاء اللّه كان » من أنها ) أي : المشيئة وهي مرادفة الإرادة ( تستلزم الوجود ) أي : وجود ما تعلقت به ( إذ كانت تؤثر تخصيصه ) أي : تخصيص ذلك الوجود بوقته الذي وقع فيه دون ما قبله وما بعده من الأوقات . وهاهنا تنبيه : على أمر مهم تضمنه قوله : ( ومما ذكرنا ) أي : في الأصل الثاني من أن محل قدرة العبد هو عزمه المصمم عقب خلق الداعية والميل والاختيار ( يبطل احتجاج كثير من الفساق بالقضاء والقدر لفسقهم ) متعلق بقوله : « احتجاج » أي : يظهر بطلان احتجاجهم على ما صدر منهم من الفسق ، حيث يقولون : « إنه بقضاء اللّه وقدره لم يكن بقدرتنا » ( إذ ليس القضاء والقدر مما يسلب قدرة العزم ) أي : قدرتهم عليه ( عند خلق الاختيار ) لهم ، ( فيكون ) بسبب سلب قدرة العزم ( جبرا ليصح الاحتجاج ) من الفاسق ( به على ما أوقع نفسه فيه ) من الفسق ، بل هو الجاني بإيجاده ذلك العزم المصمم عند خلق الميل والاختيار ( كما قال علي رضي اللّه عنه لذلك الشيخ ) الذي سأله . روى الأصبغ بن نباتة أن شيخا قام إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بعد انصرافه من صفين فقال : أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء اللّه تعالى وقدره ؟ فقال : « والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا